محمد بن جرير الطبري

9

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك : " فيه آية بينة " على التوحيد ، فإنهم عنوا بالآية البينة : مقام إبراهيم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ قال : قدماه في المقام آية بينة . يقول : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال : هذا شيء آخر . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن ليث ، عن مجاهد " فيه آية بينة مقام إبراهيم " قال : أثر قدميه في المقام آية بينة . وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم ، وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما ، فيكون الكلام مرادا فيهن " منهن " ، فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها . فإن قال قائل : فهذا المقام من الآيات البينات ، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل : آياتٌ بَيِّناتٌ قيل : منهن : المقام ، ومنهن الحجر ، ومنهن الحطيم ، وأصح القراءتين في ذلك قراءة من قرأ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ على الجماع ، لإجماع قراء أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها . وأما اختلاف أهل التأويل في تأويل : مَقامُ إِبْراهِيمَ فقد ذكرناه في سورة البقرة ، وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنا لك وأنه عندنا : المقام المعروف به . فتأويل الآية إذا : إن أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين ، للذي ببكة ، فيه علامات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم منهن أثر قدم خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الحجر الذي قام عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله الخبر عن أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاد بالبيت لم يكن بها مأخوذا التجاء المجرم إلى الحرم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً التجاء المجرم إلى الحرم وهذا كان في الجاهلية ، كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم ألجأ إلى حرم الله ، لم يتناول ولم يطلب ؛ فأما في الإسلام ، فإنه لا يمنع من حدود الله ، من سرق فيه قطع ، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد ، من قتل فيه قتل ، وعن قتادة أن الحسن كان يقول : إن الحرم لا يمنع من حدود الله ، لو أصاب حدا في غير الحرم فلجأ إلى الحرم لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد ، ورأى قتادة ما قاله الحسن . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً التجاء المجرم إلى الحرم قال : كان ذلك في الجاهلية ، فأما اليوم فإن سرق فيه أحد قطع ، وإن قتل فيه قتل ، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا . حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثنا عبد السلام بن حرب ، قال : ثنا خصيف عن مجاهد في الرجل يقتل ، ثم يدخل الحرم التجاء المجرم إلى الحرم ، قال : يؤخذ فيخرج من الحرم ، ثم يقام عليه الحد . يقول : القتل . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن حماد ، مثل قول مجاهد . حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا ثنا ابن إدريس ، قال : أخبرنا هشام ، عن الحسن وعطاء في الرجل يصيب الحد ، ويلجأ إلى الحرم التجاء المجرم إلى الحرم : يخرج من الحرم فيقام عليه الحد . فتأويل الآية على قول هؤلاء : فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، والذي دخله من الناس كان آمنا بها في الجاهلية . وقال آخرون : معنى ذلك : ومن يدخله يكن آمنا بها ، بمعنى الجزاء ، كنحو قول القائل . من قام لي أكرمته : بمعنى من يقم لي أكرمه . وقالوا : هذا التجاء المجرم إلى الحرم أمر كان في الجاهلية ، كان الحرم مفزع كل خائف ، وملجأ كل جان ، لأنه لم يكن يهاج له ذو جريرة ، ولا يعرض الرجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء . قالوا : وكذلك هو في الإسلام ، لأن الإسلام زاده تعظيما وتكريما . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد قال : ثنا خصيف ، قال ثنا مجاهد ، قال : قال ابن عباس : إذا أصاب الرجل الحد قتل أو سرق ، فدخل الحرم التجاء المجرم إلى الحرم ، ولم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد . قال . فقلت لابن عباس : ولكني لا أرى ذلك ، أرى أن يؤخذ برمته ، ثم يخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد ، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة . حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا ابن